ابن ميثم البحراني
45
شرح نهج البلاغة
في الحال ، والإحالة في ذلك على الوجدان . فإذن ليس كلّ بمدرك ، وكذلك لا يمكن أن يتجاوز الإنسان أجله المضروب له وإلَّا لما كان أجلا له . وهذان الأمران في قوّة صغريين لقياسى ضمير من الشكل الأوّل ، وتقدير كبرى الأوّل : وكلّ من يسرى به كذلك فيوشك أن ينقطع مدّته ويصل إلى الآخرة ، وتقدير كبرى الثاني : وكلّ من لا يبلغ أمله ولا يتجاوز أجله وهو سالك بطريق من كان قبله فيوشك أن يلحق بهم ، ولمّا نبّه على ضرورة مفارقة الدنيا والوصول إلى الآخرة رتّب على ذلك الوصيّة بالحكم المذكورة ، وذكر منها جملة : الأولى : أن يخفّض في طلب الدنيا ولا يحرص عليها بل يجعل طلبه لها بقدر حاجته إليها . الثاني : أن يفعل الجميل فيما يكتسبه منها ، وذلك أن يضع كلّ شيء منه موضعه فيمسك منه قدر ضرورته وينفق فاضله في وجوه البرّ ومصارف القربة ، ويحتمل أن يريد بالمكتسب الاكتساب فأطلق اسم المفعول على المصدر مجازا ، ونحوه قول الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله : إنّ روح القدس نفث في روعى أنّه لن يموت نفس حتّى يستكمل رزقها فأجملوا في الطلب . الثالث وقوله : فإنّه ربّ طلب . إلى قوله : محروم . تنفير عن الخوض في الطلب بأمور ثلاثة : أحدها : أنّه قد تجرّ إلى الحرب ، وذلك كما شوهد في وقتنا أنّ تاجرا كان رأس ماله سبعة عشر دينارا فسافر بها إلى الهند مرارا حتّى بلغت سبعة عشر ألفا فعزم حينئذ على ترك السفر والاكتفاء بما رزقه اللَّه فسوّلت له نفسه الأمّارة بالسوء في العود ، وحبّبت إليه الزيادة فعاود السفر فلم يلبث أن خرجت عليه السرّاق في البحر فأخذوا جميع ما كان معه فرجع وقد حرب ماله . وذلك ثمرة الحرص المذموم . وهو في تقدير صغرى ضمير ، وتقدير كبراه : وكلّ ما جرّ إلى الحرب فلا ينبغي أن يحرص عليه .